عرّاب العلمانية!

يرى المؤرخ محمد شفيق غربال أن مصر تأثرت بالغرب الاستعماري تأثراً كبيراً على مدى قرن ونصف قرن أكثر من تأثرها بالغزاة الهلينيين (الإغريق والرومان) والفرس وغيرهم، فقد كانت تستقبل الثقافات الأخرى وتتأثر بما تراه مناسباً وترفض ما هو غير مناسب، وتعايشت مع جاليات يونانية وإيطالية وقبرصية وشرقية، في حدود الحفاظ على خصائصها الدينية والتراثية والواقعية، ولكن الاحتلال الإنجليزي، وخاصة ما فعله اللورد كرومر قلب الموازين (انظر: محمد شفيق غربال، تكوين مصر عبر العصور، الهيئة المصرية للكتاب، 1996، ص101- 110).

فوز الإسلاميين بالانتخابات بعد «الربيع العربي» أزعج الجهات الخارجية المعادية للإسلام ووكلاءها بالعالم الإسلامي

في وجود الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين والإسبان في العالم العربي، نشأت نخب ثقافية ومهنية موالية لهم بطريقة أو بأخرى، وتتفق هذه النخب على شيء واحد؛ هو إزاحة الإسلام من الحياة العربية والإسلامية بصفة عامة، لصالح الثقافة الغربية بألوانها المختلفة ومذاهبها المتباينة؛ الليبرالية، الشيوعية، الوجودية، الفابية، فضلاً عن تشجيع الحركات الاستيطانية والتنظيمات الباطنية والسرية والأحزاب القومية والقُطرية والطائفية الانفصالية، مثل: الصهيونية، والبابية، والبهائية، والماسونية، والقاديانية، والأحباش، والنصيرية، وحزب البعث، والروتاري، والليونز، والأنتراكت، والروتراكت، والمارونية، وشهود يهوه، والتنصير، والعلمانية، والاستشراق، والتغريب، والتصوف السلبي، والفرويدية، والذرائعية، والحداثة، والعبثية.

ويبدو أن فوز الإسلاميين في الانتخابات التي أعقبت ثورات «الربيع العربي» قبل الانقضاض عليها، أزعج الجهات الخارجية المعادية للإسلام ووكلاءها في العالم الإسلامي، فرأينا إلحاحاً غريباً على ضرورة اعتماد العلمانية منهجاً وسياسة، وفصل الدين عن الدولة، والمقصود بالدين هنا هو الإسلام وحده، فلم يتحدث أحد مثلاً عن الكيان الصهيوني الذي يعلن دون خجل أنه دولة دينية، مع أن هناك ما يقرب من 20% في الكيان من العرب المسلمين الذين لا يتاح لهم التعبير الحر عن دينهم!

ثم انتشرت مواقعُ وصحفٌ وإذاعاتٌ وقنواتٌ تخدم التوجه العلماني وتدعو إليه، وتحرص على مصاحبة الدعوة بمقولة كاذبة تشير إلى أن العلمانية ليست ضد الدين، ولا تتدخل في حياة المتدينين، وهناك من حاول أن يقدم العلمانية في نوعين؛ أحدهما متطرف، والآخر معتدل، لتتبنى الأمة النوع الآخر من أجل النهوض والتقدم!

العلمانية على أرض الواقع –فرنسا مثالاً- تحارب الإسلام صراحة، وتصدر القوانين التي تضيق على المسلمين، وآخرها ما يسمى «قانون الانفصالية الإسلامية» الذي صدر قبل أسابيع، ويحاصر المسلمين في ركن ضيق سواء في مدارسهم أو مساجدهم أو ذبائحهم أو طعامهم الحلال، وقد صاحب ذلك إغلاق العديد من المساجد في باريس والمدن الأخرى، وحلّ بعض الجمعيات الإسلامية المهمة، وإرغام المسلمين على إنشاء كيان موحد يتولى شؤونهم، لتسهل السيطرة عليه، ويأتمر بأمر الحكومة الفرنسية، فضلاً عن منع الحجاب والنقاب في أماكن متعددة، ولباس البحر الساتر (البوركيني) على الشواطئ.

ومنذ عقود، تعيش معظم الحكومات العربية الإسلامية، التي لم تعلن العلمانية رسمياً، حالة حرب مع قيم الإسلام ومظاهره، فهي تخاصم الشورى والحرية والعدل والكرامة والمشاركة المجتمعية، وتزري بالحجاب والنقاب و«البوركيني»، مع ارتفاع لهجة الرفض للوجود الثقافي الإسلامي في مجالات مؤثرة، مثل الدستور والتشريع والتعليم والثقافة والإعلام، والصراخ بضرورة الفصل بين الإسلام والمجتمع، بدعوى أن الدولة لا دين لها!

رغم أن الكيان الصهيوني يعلن أنه دولة دينية فإن 20% من العرب المسلمين لديه محرمون من التعبير عن دينهم

تنحية الإسلام

في خضم هذه الحملة الوحشية، استطاع الشيوعيون الانفصاليون في السودان مثلاً، أن يفرضوا على حكومته، أواخر مارس 2021م، عدم تضمين الدستور السوداني المتوقع إعداده قريباً شيئاً عن علاقة الإسلام بالدولة أو التشريع أو المجتمع، من أجل وقف الحرب الأهلية، وقد وقع الطرفان على ذلك!

لم يهتم الطرفان بقضايا المجتمع والاقتصاد والزراعة والتصنيع والتعليم والصحة والتعمير بقدر اهتمامهما بتنحية الإسلام لتكون الدولة علمانية، بينما لا يستطيع طرف أن يتدخل في شؤون الكنيسة أو تشريعاتها وثقافتها، وسبق للأنبا شنودة أن رفض تطبيق أحكام القضاء في مصر لأنها تخالف- من وجهة نظره- الكتاب المقدس!  

على مدى السنوات الماضية التي أعقبت ثورات «الربيع العربي»، اهتمت الصحف وأجهزة الدعاية بالدكتور مراد وهبة، الذي يدعو إلى العلمانية وفصل الإسلام عن الدولة أو المجتمع، وفتحت له أهم الصحف وأوسعها انتشاراً ليكتب مقالات مسلسلة عن العلمانية وضرورتها لتتقدم مصر والعرب، وتنشر له أسبوعياً مقالين أو أكثر، وتستضيفه الصحف الأخرى والقنوات والإذاعات، ليفتي في أمر العلمانية، وتصدر له دار النشر الرسمية في سلسلة الكتب الشعبية الرخيصة مجموعات حواراته ومقالاته ومحاضراته وندواته عن العلمانية، بينما تقف هذه النوافذ موقفاً صارماً بعدم النشر لمن يرد عليه أو يناقشه أو يصحح له.

الرجل اسمه الكامل مراد وهبه جبران، ولد في أسيوط، بتاريخ 13 أكتوبر 1926م، وقد درس الفلسفة في جامعتي القاهرة وعين شمس، وحصل على الدكتوراه من جامعة الإسكندرية، وعمل أستاذاً للفلسفة في كلية الآداب جامعة عين شمس.

ويشير التعريف به في «ويكيبيديا» إلى أنه عضو في مجموعة من الأكاديميات والمنظمات الدولية المرموقة، كما أنه المؤسس ورئيس الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير عام 1994م، وأن اسمه مذكور في موسوعة الشخصيات العالمية؛ حيث يعتبر من بين الـ500 شخصية الأكثر شهرة في العالم(!).

والغاية من اهتمامه بابن رشد وضرورة إحياء فلسفته أن ابن رشد يمثل كما يقول: «.. أداة لجسر الهوة بين الغرب والمجتمع الإسلامي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نجح ابن رشد في البيئة الأوروبية من خلال فلسفة «الرشدية اللاتينية» التي أسهمت كثيراً في تأسيس العقلانية الأوروبية، وما تولد عنها من إصلاح ديني في القرن الـ16، وتنوير في القرن الـ18، فقد وُظّفت بشكل واسع آراء ابن رشد الداعية إلى إعمال العقل في فهم النص وفي الحوار الإيجابي بين الناس، وأن هذه الروح هي ما يجب أن يسود حوار الغرب والشرق لأنها أساس السلام في أي منطقة من مناطق الأرض»!

هناك ازدياد برفض الوجود الثقافي الإسلامي ببعض الدول العربية في مجالات كالدستور والتعليم والثقافة والإعلام

وبغض النظر عن النرجسية الواضحة في الحديث عن الشهرة بين الشخصيات العالمية، والدعوة إلى إعمال العقل، (وكأن الإسلام لا يدعو الناس إلى استخدام العقل، وابن رشد وحده هو الذي اخترع فكرة توظيف العقل)، فإن ابن رشد كان في كل الأحوال مسلماً يصلي ويصوم ويردد الشهادتين في عباداته وأعماله، ويؤمن أن الإسلام دين ودنيا، وعقيدة ومجتمع، ومنهج وأمة، ولم يكن ابن رشد حالة نادرة في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل كان مثله مثل بقية فلاسفة المسلمين وإن اختلف عنهم في بعض القضايا الثانوية المختلف عليها، ويبقى السؤال: ما علاقة فلسفة ابن رشد بأحداث الحادي عشر من سبتمبر؟ ولماذا يقوم الغرب بتجريم المسلمين جميعاً، ويوجه جيوشه إلى بلدانهم ليدمرهم ويقتل مئات الآلاف، ويرمّل النساء وييتّم الأطفال؟ ألا يتوجب أن يقول وهبة للعلمانيين الأوروبيين المستنيرين: كفّوا عن قتل المسلمين، وتدميرهم، ودعوهم في حالهم إن لم تساعدوهم؟  

ألّف وهبة عدداً من الكتب، منها: «المذهب في فلسفة برجسون» (1960م)، «محاورات فلسفية في موسكو» (1977م)، «فلسفة الإبداع» (1996م)، «الأصولية والعلمانية» (1995 م)، «مستقبل الأخلاق» (1997م)، «جرثومة التخلف» (1998م)، «ملاك الحقيقة المطلقة» (1998)، «قصة الفلسفة»، «مسار فكر».

التيار التغريبي

ويعد وهبة باعثاً للتيار التغريبي الذي قاده فرح أنطون، وشبلي شميل، ويعقوب صروف، وإسماعيل مظهر، وفارس نمر، وسلامة موسى، وآخرون معظمهم طائفيون متعصبون، وهو تيار يرى أن الإسلام سبب تخلف العرب وتأخرهم وتفرقهم، ولذا يربط وهبة بين ما يسميه الأصولية (يقصد الإسلام) والتخلف والعنف والإرهاب، وتتردد لفظة «الأصولية» كثيراً في سياق مقالاته وعناوين كتبه، ويستخدمها أحياناً في صورة الجمع (أصوليات) كي يتفادى الانتقاد بالتعصب الطائفي، ناسياً أن الأصولية في التراث الإسلامي تعني البحث عن مقاصد الشريعة فيما يفيدها من مستجدات القضايا والأمور، وهي نهج لمعايشة الواقع والمستقبل، وليس لتكريس الماضي والجمود و«الدوجما» كما يشيع الجاهلون والمغرضون.

ومن المفارقات أن الرجل يصف رفاقه من المثقفين الاستعماليين («المصري اليوم» 16/ 5/ 2008م) بأنهم «أكبر طائفة خائنة للمجتمع»(!)، وتسأل عن السبب، فتعلم أن خيانتهم جاءت لأنهم «لم يؤدوا مسؤولياتهم سواء تجاه تنوير المجتمع أو في الوقوف ضد الأصوليات الدينية (أي ضد الإسلام!)»، ويضيف: إن عدم وجود تيار علماني ينافس الأصوليات الدينية في مصر (لا توجد فيها أصولية فاعلة غير الإسلام) يجعل البلاد «بعيدة كل البعد عن التقدم»، مشدداً على أن وجود التيار العلماني يؤدي إلى «إحلال السلام بين الدول» مثلما سبق أن ذكر في مؤتمر كوبنهاجن! (بالطبع لا يعنيه السلام بين المواطنين المحليين أو بين الشعب والسلطة!).

والطريف أنه يشير في الموضع السابق، وكان ذلك قبل ثورة يناير بسنوات، أن المزاج العام للشارع المصري (يومها) يستطيع أن يصل بالتيار الإسلامي إلى السلطة في حالة إجراء انتخابات دون قيود، وهو ما تحقق بعد الثورة وأزعج الجهات المعادية للإسلام والمسلمين، ودفعت الشعوب العربية جميعاً ثمنه غالياً.

وهبة يعد باعثاً للتيار التغريبي الذي يرى أن الإسلام سبب تخلف العرب وتفرقهم.. ويرى أن الأصولية الإسلامية تعني الإرهاب والتعصب اللذين يفضيان إلى رفض الحياة الحديثة

محاربة الأصولية -أو الإسلام بمعنى أدق- هي غاية وهبة مدفوعاً بالتعصب الطائفي، ولذا يخصص عديداً من كتبه التي أعادت طبعها الهيئة الرسمية الحكومية بحفاوة؛ للحديث عن الأصولية والعلمانية وملاك الحقيقة المطلقة؛ الأصولية بمعنى الإسلام، العلمانية بمعنى التبعية للغرب وثقافته الإنجيلية، وملاك الحقيقة المطلقة بمعنى التوحيد والإيمان بالله الواحد في الإسلام.

في كتابه «الأصولية والعلمانية»، يعد المسألة قضية العصر، لأن ما تعانيه البشرية كما يقول من عنف وإرهاب وقتل وأنشطة اقتصادية غير مشروعة، إنما هي تفريعات للأصولية، في علاقتها بالرأسمالية الطفيلية، ويعتقد أن كتاب إدموند بيرك، المعنون «تأملات في الثورة في فرنسا» دستور الأصوليات الدينية، مع تباين أسمائها، حيث يسم بيرك التنوير بالجهل والبربرية» (انظر: الأصولية والعلمانية، ط1، دار الثقافة، القاهرة، ص5 وما بعدها).

ويجهد نفسه في تعريفات الأصولية العلمانية وما بعد الحداثة والأصولية، ويركز على الأوضاع فيما يسميه الشرق الأوسط، أي بلاد المسلمين!

مشكلتان مسيحيتان

وكما سبقت الإشارة، فإنه يعتمد على كتاب إدموند بيرك، في تعريفاته واستنتاجاته، ونكتشف من خلال مرافعاته الإنشائية أن الأصولية والعلمانية مشكلتان لا علاقة لهما بالإسلام، وأنهما مشكلتان مسيحيتان بالدرجة الأولى والأخيرة، لكنه يسعى جاهداً لربط المسألة بالإسلام وما يسميه سلام العالم، دون أن يشير إلى صراع الغرب الاستعماري الدموي مع غير المسيحيين؛ فهو مشغول بحكاية ملاك الحقيقة المطلقة! ومهاجمة المودودي، وسيد قطب، ووصف الدولة الإسلامية بالثيوقراطية الديمقراطية.

إنه يربط سلام العالم بسلب «الدوجما» (أي الثوابت) من الأصولية (أي الإسلام) (الأصولية والعلمانية، ص43 وما بعدها)، أو هو باختصار لا يريد ربط الدولة الإسلامية بالله، لأنه يرى أن الأصولية تعني الإرهاب والتعصب اللذين يفضيان إلى رفض الحياة الحديثة المعاصرة، دون أن يشير إلى الإرهاب والتعصب اللذين تمارسهما الحكومات الاستبدادية التي تعمل بالوكالة عن الغرب الاستعماري، من ذبح لشعوبها وطرد الملايين إلى خارج الحدود، وتدمير المنازل والمساجد والمشافي والأسواق.

الأصولية والعلمانية مشكلتان لا علاقة لهما بالإسلام بل هما مشكلتان مسيحيتان بالأساس

ويشيد بالحبيب بورقيبة وما يسميه إصلاحاته التي ألغت تعدد الزوجات، وحرمت الطلاق، ومنعت الصيام في رمضان، ودشنت قانوناً للأحوال الشخصية يماثل قوانين الغرب، ويرى أن ذلك خطوة أولى نحو التخلص من أسس الإسلام! (الأصولية والعلمانية، ص 63 وما بعدها).

وتنتقل هذه الروح إلى كتابه «جرثومة التخلف»، وهو مجموعة حوارات وموضوعات أُجريت معه أو كُتبت عنه، أعدها شيوعيون أو ناصريون، أو طائفيون، أو تجار كلمة، أو انتهازيون، وكلها إشادة به وبمواقفه من الماركسية والرأسمالية والإسلام، وقضايا أخرى، وكلها تصب في رفض الإسلام وإدانته، وارتباطه بحياة المسلمين.

ويمكن تلخيص ما ورد في هذا الكتاب في عبارته التي تقول: «التيارات الفاشية والجماعات الإرهابية هي الوريث الشرعي للدولة العثمانية، ولم يتصد أحد لجوهر هذه التيارات خوفاً منها»(!)، وواضح أن رمزية الدولة العثمانية تتجاوز الكيان إلى الدلالة على الإسلام الذي يراه فاشية وإرهاباً، دون أن يتفوه بحرف عما تمارسه كثير من حكومات العالم الإسلامي من فاشية وإرهاب ضد شعوبها ومواطنيها (انظر: جرثومة التخلف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1998م، ص91).

ولا يختلف كتابه «ملاك الحقيقة المطلقة» عن كتبه الأخرى في محاربة ثوابت الإسلام، حيث يشير في مقدمته إلى الفكرة المحورية في فلسفته، وهي النضال ضد الروح «الدوجماطيقية» (انظر: مقدمة ملاك الحقيقة المطلقة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999م، ص 10).

ويبدو أن جهود مراد وهبة لم تحقق نجاحاً كبيراً إلا في أوساط خصوم الإسلام، فراح ينعى العلمانية في تركيا ولبنان (انظر: «المصري اليوم» 16/ 12/ 2020م، و«الأهرام» 30/ 3/ 2021م).

 

 

 

 

 

_____________________________________

(*) أستاذ الأدب والنقد.

 

Exit mobile version